Salieri

الشافعي والعقل الناقل

2023-03-04 · philosophy

مؤخرا أثناء دراستي لقانون الشريعة الإسلامية، سقط تحت يدي كتاب نصر حامد أبو زيد: "الشافعي وإعادة تأسيس الأيديولوجية الوسطية."

فيها اكتشفت حاجة، أو عيب غريب عمري ما ركزت فيه في طريقة تعاملنا مع السُنة النبوية، كان سببها الإمام الشافعي رحمه الله.

فى كتابه، يرصد الدكتور نصر حامد أبو زيد بداية الانتصار الحاسم والصريح لمذهب أهل الحديث في محاولة "تلفيقية" على حد قول أبو زيد، موضحا أن الاتجاه الأيديولوجي للإمام الشافعى يرجح أنه من أهل الحديث المحافظين والمتعصبين لعربية القرآن عموما وقرشيته خصوصا.

فوق هذا، موضحا أن محاولة تلفيق الوسطية للشافعى، على حد وصف "أبو زيد"، تظهر عند اعتباره الدخيل أو الأعجمى فى القرآن من الألفاظ التى تتفق فيها لغات وألسنة مختلفة دون أن تكون انتقلت من لسان أمة إلى أمة أخرى، وهو توسط مزعوم بين طرفين متناقضين، يرى أحدهما وجود ما أعجميا فى القرآن، بينما ينكر الآخر تماما باعتبار أنه نزل بلسان عربى مبين، ودفاع الشافعى عن نقاء اللغة العربية وخلوها التام من الأعجمى وهو دفاع عن عربية قريش، بل عن وسطية قريش التى كانت لهجتها أوسط اللهجات العربية، ومن ثم تم تثبيتها لهجة للقرآن الكريم فى عهد الخليفة عثمان بن عفان.

كما أن الشافعى اشترط قراءة الفاتحة باللغة العربية، كشرطا لصحة الصلاة بعيد تمام عن الوسطية، لكنه يفهم تماما فى إطار الصراع مع فكر وفقه أبى حنيفة، وهو من أهل الرأى، كما أنه ذو أصل فارسى
جعل أيضا الشافعي السنة في نفس المرتبة التشريعية للقرآن، وبذلك خلى أن بدل أن تكون السُنة شارحه للقرآن، وناسخة له، جعلها مصدرا آخر للوحي مقدما إياها على القياس (وهو استعمال العقل) ناسيا بذلك بشرية الرسول وبشرية النُقّال، وليس فقط الرسول بل الصحابة والاحتكام لاجماع أهل المدينة وأحاديث الآحاد (الأحاديث المنقولة من شخص واحد) فوق مرتبة القياس.

أما الإجماع عند الإمام الشافعى، فيرى أبو زيد، أنه بدا ملتبسا ومختلطا مع مفهوم التواتر، ويكاد يتشابه موقفه من الإجماع من عروبة القرآن، إذ يرى أن إجماع العلماء لابد وأن يكون موافقا لسنة النبى على أساس أن له نصا ما، حتى وإن بدا غائبا منطوقه عن الجميع، وبالتالى يجعل الإجماع سنة واجبة الاتباع لها حجبتها ومشروعيتها.

أما بالنسبة للقياس بدا عند الشافعى منحصرا فى اكتشاف حكم موجود بالفعل فى النصوص الدينية حتى لو كان خافيا أو مستترا، أو بمعنى آخر اكتشاف الدلالات فى الكتاب، وكل اجتهاد أو قياس خارج عملية استنباط الدلالة من الكتاب هو استحسان وقول بالرأى، ويبدو عنده أن القياس يمكن أن يستند إلى أصول ثابتة بينما لا يستند عليها فالقياس عاصم للخلافات، بينما مجلبة لع وللتنارع.

بذلك جعل الإمام الشافعي من العقل العربي عقلا ناقلا فقط، قاتلا لكل فرصة أن يكون العقل العربي عقلا مفكرا مستنتجا، مهاجما للمتكلمين وأهل الرأي.

← All writing